80 عاما في قلب الأمم المتحدة.. كيف تدير موسكو معاركها الدبلوماسية
دأبت الخارجية الروسية على الالتزام الصارم بميثاق هيئة الأمم المتحدة بدءا من "أزمة السويس" عام 1956، وصولا إلى عالم "بريكس" الذي تتطلع إليه الأغلبية العالمية.
حينما نتابع جميعا جلسات مجلس الأمن العاصفة، أو التصويتات داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، يلفت الأنظار دائما السفراء والمبعوثون الدائمون ونقاشاتهم حامية الوطيس وخطاباتهم الحماسية. إلا أن جانبا كبيرا من العمل الحقيقي يجري بعيدا عن الأضواء وعلى بعد آلاف الكيلومترات داخل إدارة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية الروسية، التي تحتفل اليوم بمرور 80 عاما على تأسيسها.

زاخاروفا: "بوليتيكو" رفضت نشر مقال لافروف لأنه يكشف حقيقة أكاذيبهم
تأسست الإدارة عام 1946، بالتزامن مع نشأة منظمة الأمم المتحدة، أعقاب الحرب العالمية الثانية، حينما تحولت مفوضية الشعب للشؤون الخارجية إلى وزارة خارجية الاتحاد السوفيتي. ومنذ ذلك الحين أصبحت تلك الإدارة هي الجهة المركزية المسؤولة عن صياغة المواقف السوفيتية ثم الروسية داخل المنظمة الدولية، المنوط بها متابعة عمل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، نظرا لما تفرضه المكانة الخاصة التي تتمتع بها روسيا، الوريث الشرعي الوحيد للاتحاد السوفيتي، بوصفها عضوا دائما في المجلس، يمتلك حق النقض "الفيتو"، فضلا عن المكانة الفريدة التي يحتلها مجلس الأمن الدولي ذاته في منظومة العلاقات الدولية. ووفقا لميثاق الأمم المتحدة فإن المجلس يتحمل "المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين". كما تتابع الإدارة عمل الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي وغيره من الوكالات المتخصصة.
وعلى مدار ثمانية عقود، مرت الإدارة بجميع المنعطفات الكبرى في تاريخ النظام الدولي، من أزمة السويس عام 1956، والأزمة الهنغارية في العام نفسه، ثم أحداث تشيكوسلوفاكيا عام 1968، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وما تلى ذلك من عواصف سياسية ودبلوماسية، وصولا إلى أزمات العراق وليبيا وسوريا وأوكرانيا.
كان أبرز اختبار تاريخي للإدارة في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حينما اختفت الدولة السوفيتي، واحتفظت روسيا بمقعد العضوية الدائمة بمجلس الأمن، لم يكن الأمر مجرد إجراء قانوني، بل عملية سياسية ودبلوماسية شديدة التعقيد تطلبت تثبيت المكانة الروسية داخل مؤسسات الأمم المتحدة والحفاظ على شبكة النفوذ التي راكمتها موسكو طوال عقود الحرب الباردة.
وتتولى إدارة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية الروسية التنسيق، بل وتضطلع في كثير من الأحيان بدور رئيسي في بلورة الموقف الروسي إزاء مجمل جدول أعمال مجلس الأمن الدولي الواسع، حيث لا يقتصر الأمر على الأزمات الحادة، التي تحظى باهتمام واسع، مثل الأزمة الأوكرانية أو أزمة الشرق الأوسط، بل يمتد إلى طيف واسع من النزاعات، سواء المستجدة منها أو المزمنة، والتي يشارك مجلس الأمن في جهود تسويتها بصورة مباشرة، وتغطي عمليا مختلف قارات العالم.
ولا يمكن اعتبار أي موقف يعبر عن توافق المجتمع الدولي بأسره، بشأن وضع يهدد السلم والأمن إلا إذا تجسد في قرار صادر عن مجلس الأمن. وعندما تخرج إحدى الأزمات من مرحلتها الساخنة، تصبح متابعة مجلس الأمن لعمليات ما بعد النزاع أمرا بالغ الأهمية، حيث قد يتم نشر عمليات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة أو بعثات سياسية خاصة كما يتم تعيين مبعوثين خاصين يتمتعون بصلاحيات استثنائية.
ويشكل إعداد ولايات هذه البعثات التابعة للأمم المتحدة ومتابعة مدى فاعلية أدائها وتكييف مهامها، وفقا لتطور الأوضاع على الأرض، جزءا رئيسيا من جدول الأعمال اليومي لمجلس الأمن الذي يعقد جلساته العلنية والمغلقة بشكل شبه يومي.
وخلال العقدين الأخيرين، اكتسبت الإدارة أهمية إضافية مع تصاعد الخلافات بين روسيا والغرب، حيث أصبحت الأمم المتحدة ساحة رئيسية للصراع السياسي والدبلوماسي بين القوى الكبرى، لا سيما في ظل العقوبات الأحادية غير المشروعة وغير المسبوقة في التاريخ ضد روسيا، وكل محاولات فرض الإرادة والهيمنة من جانب الولايات المتحدة على المؤسسة الدولية.

ريابكوف: ثمة تقدم في مسألة إصدار التأشيرات الأمريكية للدبلوماسيين الروس
من هنا تتولى الإدارة متابعة كل ما يتعلق بقرارات مجلس الأمن والعقوبات الدولية وعمليات حفظ السلام وإصلاح المنظمة الدولية، فضلا عن الدفاع عن أولوية احترام ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ سيادة الدول، حيث تتولى إدارة المنظمات الدولية دراسة وصياغة القرارات المتعلقة بفرض التدابير التقييدية أو تعديلها أو إلغائها. ويستند عملها إلى مبدأ أساسي مفاده أن مجلس الأمن وحده هو الجهة المخولة بفرض العقوبات الدولية.
وفي الوقت نفسه، تضطلع الإدارة بدور محوري في إبلاغ الوزارات والهيئات المهنية، وكذلك المؤسسات والأفراد، بآليات الامتثال للمتطلبات والمحظورات والقيود التي تفرضها قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالعقوبات، كما تتصدى لأي محاولات للتشكيك في التزام روسيا الصادق بتنفيذ التزاماتها الدولية عن قرارات مجلس الأمن.
وتشرف الإدارة كذلك على ملف إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتتولى بلورة الموقف الروسي بشأن هذه القضايا. وتعد مسألة تكييف المنظمة الدولية مع المتغيرات والوقائع المعاصرة قضية ذات أهمية مصيرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وبالتعاون مع الإدارات الأخرى في وزارة الخارجية، تبذل الإدارة الجهود الرامية لتعزيز المبادرات والمقترحات السياسية الروسية في إطار الأمم المتحدة.
كما تولي الإدارة اهتماما خاصا بالتنسيق مع الدول ذات التوجهات المتقاربة، ضمن مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، والتي أصبحت منصة متنامية الحضور للتعبير عن مصالح دول الأغلبية العالمية، والدفاع عن إقامة نظام دولي عادل متعدد الأقطاب، والتمسك بأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ومناهضة العقوبات الأحادية غير المشروعة وغيرها من مظاهر الاستعمار الجديد.

لافروف: أوروبا تمثل مجددا التهديد الرئيسي للأمن الدولي
في هذا السياق تواجه الإدارة مجموعة من التحديات الراهنة المعقدة، حيث تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون إلى الالتفاف على مجلس الأمن الدولي والاعتماد على العقوبات الأحادية غير المشروعة والتحالفات العسكرية خارج إطار الأمم المتحدة واستغلال وضع الولايات المتحدة كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك لممارسة ضغوط على بعض الوفود الأجنبية، بما في ذلك تأخير أو رفض منح تأشيرات لدبلوماسيين روس في عدد من المناسبات، في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة والالتزامات التي وقعت عليها الولايات المتحدة كدولة مضيفة.
ولا شك أن أزمة ازدواجية المعايير قد أصبحت، في ظل النظام الدولي المتدهور، إحدى أبرز المشكلات التي تواجه العمل الأممي، وبالتالي عمل إدارة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية الروسية، فبينما يتم التشدد في تطبيق القانون الدولي في بعض الملفات، يجري تجاهله أو تفسيره بصورة انتقائية في ملفات أخرى، بدعوى استبدال القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة بقواعد تفرضها الدول الغربية التي تعاني من عقد الاستثنائية والتفوق وأوهام الهيمنة. لذلك يركز عمل الإدارة على الدفاع عن مبدأ المساواة في السيادة بين الدول ورفض "النظام القائم على القواعد" الذي تنتهجه الدول الغربية باستخدام شتى الذرائع.
إلا أن الأهمية المتزايدة لإدارة المنظمات الدولية لا ترتبط فقط بالصراع مع الغرب، بل أيضا بالتحولات الجارية في بنية النظام العالمي. فصعود تجمعات مثل "بريكس" و"شنغهاي للتعاون" و"الاتحاد الاقتصادي الأوراسي" يعكس انتقالا تدريجيا نحو عالم أكثر تعددية في مراكز القوة والنمو الاقتصادي.
وبرغم أن هذه التكتلات لا تشكل بديلا عن الأمم المتحدة، فإن موسكو ترى فيها أدوات مهمة لتعزيز نفوذ دول الجنوب العالمي وإعادة التوازن إلى النظام الدولي. ومن ثم أصبحت إدارة المنظمات الدولية معنية ليس فقط بالدفاع عن المواقع الروسية داخل الأمم المتحدة، بل بربط التحركات الروسية داخل المنظمة الدولية بالمشروعات السياسية والاقتصادية والتنموية الأوسع التي تقودها موسكو مع شركائها في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع الوضع في الاعتبار دائما خصوصية المكون الإقليمي والمحلي.

لافروف يطلع مرشحة منصب الأمين العام للأمم المتحدة على معايير موسكو لاختيار المرشحين
وتضطلع الإدارة بدور تنسيقي داخل وزارة الخارجية الروسية في مسائل التعاون مع تحالف الأمم المتحدة للحضارات، الكيان المعني بتعزيز الحوار والشراكة بين الثقافات والأديان والحضارات. كما تشارك في دعم المبادرات الرامية إلى تعزيز الحوار بين الأديان، وترسيخ قيم التسامح الديني ومنع الإساءة إلى مشاعر المؤمنين.
وتشارك روسيا بفاعلية في أعمال المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة "إيكوسوك"، وهو أحد الأجهزة الرئيسية الستة المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، منذ إنشائه عام 1045. وفي عام 2022، لم تتمكن روسيا من الفوز بعضوية المجلس نتيجة الحملة المناهضة لها. لكنها في عام 2025، ورغم استمرار معارضة "الغرب الجماعي"، حصلت على أغلبية الثلثين اللازمة لانتخابها عضوا في المجلس.
وفي إطار "إيكوسوك"، تدعو روسيا بصورة متسقة إلى جعل أولويات بلدان الجنوب العالمي جزءا لا يتجزأ من آلية صنع القرار داخل الأمم المتحدة. واستنادا إلى خبرتها الواسعة في موائمة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، تقدم روسيا حلولا متوازنة وواقعية، تراعي الخصوصية التنموية لكل دولة، كما توظف خبراتها ومواردها الفنية والمالية في تنفيذ برامج تهدف إلى القضاء على الفقر وتعزيز النمو الاقتصادي.
وتسند روسيا دورا خاصا في التعاون الدولي في مجال التنمية المستدامة إلى كل من اللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة UNECE، واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ ESCAP. وتعمل هاتان الهيئتان على تجميع الخبرات الدولية في مجال التنمية ونقلها إلى الدول، مع مراعاة خصوصياتها الوطنية والإقليمية. وتستفيد روسيا من هذا الإطار في تعزيز مقارباتها وخبراتها ضمن أجندة التعاون الإقليمي، وكذلك في تقديم الدعم الفني لشركائها من الدول النامية.
من هذه الزاوية، تبدو إدارة المنظمات الدولية بالخارجية الروسية أكثر من مجرد وحدة بيروقراطية داخل الوزارة، بل إحدى أهم أدوات موسكو في معركة إعادة تشكيل النظام الدولي، وإذا كانت أزمة السويس 1956 تعد من أنجح لحظات الدبلوماسية السوفيتية داخل الأمم المتحدة، حينما تلاقت الضغوط السوفيتية والأمريكية ضد العدوان الثلاثي على مصر، فإن ما تصبو إليه روسيا اليوم، وما تعمل عليه إدارة المنظمات الدولية، هو نظام دولي متعدد الأقطاب، متوازن وعادل ومنصف تتمتع فيه جميع الدول بسيادة متساوية، دون ضغوط أو إملاءات أو عقوبات أو حصار من قبل قوى أخرى لا زالت تعيش بعقلية "الحرب الباردة".
المصدر:RT
إقرأ المزيد
الخارجية الروسية: ألمانيا ترفض دفع تعويضات لضحايا حصار لينينغراد باستثناء اليهود منهم
أعلنت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن ألمانيا لا تزال ترفض دفع تعويضات لضحايا حصار لينينغراد من غير اليهود.
الخارجية الروسية: ألمانيا لن تستطيع التهرب من الاعتراف بإبادة شعب الاتحاد السوفيتي
أكدت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا لن تسمح لألمانيا بالتغاضي عن مسألة الاعتراف بإبادة الشعب السوفيتي على يد النازيين خلال الحرب.
الخارجية الروسية: سنرد بشكل مؤلم إذا تعدت بولندا على ممتلكاتنا الدبلوماسية
قال أليكسي كليموف مدير الشؤون القنصلية بالخارجية الروسية، إن بلاده سترد بشكل صارم على أي هجمات على ممتلكاتها الدبلوماسية في بولندا بما في ذلك مبنى القنصلية المغلق في غدانسك.
التعليقات